أتصل بنا

ألانجيل

ألكلمة

ألاخبار

من نحن

الرئيسية

وليد براز


 

كلمة تأبينيـة للأب يوسف عبا

برحيل الشاب

المرحوم : وليـد خالـد براز

السبت 4 كانون الأول 2004

------

أيها الأخوة المؤمنون :

                                باسف كبير ، أقف الآن أمام جثمان فقيدنا الغالي الشاب " وليد " صدمة موجعة لكل من عاين وشهد وسمع . وهل هناك أعظم من هذه الفاجعة ... شاب في زهرة شبابه ... في السابعة والعشرين ، في مقتبل عمره ، يخطفه الموت وبهذه السرعة .

وليد ... ذو القلب الكبير ، كان بالأمس يخفق بالحب ، بالعلم ، بالمعرفة وبالايمان ، أسكته الموت فجأة وبطرفة عين .. ما هذه الخسارة الفادحة ...؟ في الموقف الذي أنا فيه وبصراحة أقول : أجد العبارة أضيق من أن تتسع لمساحة الحزن والألم والفراق الأليم برحيل عزيزنا الشاب وليد .

غادرنا وليد ، وفي رحيله ترك غصّة في قلوب الأهل والأصدقاء والمحبين ، وفي قلب كل من عرفه وأحبّه ، غادرنا بجسده ، لكن صورته ومثاله الصالح محفور في قلوبنا ومطبوع على جباهنا .. وليد كما عرفته شخصيا ككاهن رعية ، كان فتى عزيزا ورجلا محترما ، جميلا رائعا  عاقلا وفهيما ، فاضلا وعفيفا ، ذا طبع سليم . مملوء من المحبة وخوف الله ، سالكا طريق الرب باستقامة .

بالحقيقة يليق الكلام عن هذا الشخص العاقل ، ذي الصورة البهية والحسن الكامل ، الذي كان في قامته شابا ، وفي رزانته شيخا مهابا ، هذا الذي في غاية شبوبيته كان مزهرا ، ولم يكن مفتخرا في جماله ، ولا في زينة ثيابه متجبّرا ، لكنه بالاستقامة والصلاح كان مشتهرا ، وعلى الأعمال الخيرية كان مسمّرا وللأفعال الشريرة والرديئة كان محتقرا ، وعشرة الجهّال وشباب السوء كان مبتعدا ، لم يعرف أبدا صديقة أو خليلة في شبابه ، بل كان لنفسه وروحه وجسده حافظا ومقدّسا ، معتدلا بطبعه ومزاجه ، طاهرا بنقاوة نفسه ، بهيا في صفاء أفكاره ونياته ، بشوشا في عشرته وصحبته ، مستقيما في حسن سلوكه .

كم كان عزيزا عليّ شخصيا فقيدنا وليد ، هذا الذي كانت محبته لله فائقة الادراك ، قويا في ايمانه ، لم يكن من نوع الشباب المتهورين ، المتقلبين ، والذين يغيّرون مذهبهم ودينهم ومعتقدهم بحفنة من التعاليم والأفكار الفاسدة والمنحرفة .

عزيزنا وليد كان صامدا بايمانه المستقيم أمام كل التيارات والعواصف ، مؤمنا بكل العقائد المسيحية وجاعلا له من العذراء مريم شفيعة وأمّا ، يتلو ورديتها باستمرار ، محبا ومتعبدا لها في حياته . منذ أن علم من طبيبه الخاص بمرضه اللعين ، لم يتشكّى ولم ييأس ومكث صامتا صبورا لئلا يقلق راحة أهله وأصدقائه ، فالتجأ الى الصلاة تاركا ومستودعا أمره للرب القدير ليعمل معه ما يشاء وكيفما يشاء .

أيها الشاب الحبيب وليد : ما أصعب فراقك ، وما أدهى المفاجآت التي وردت علينا برحيلك . كنت منتظرا أن أضفر لك الإكليل في يوم فرحتك ، ولا أن أقف اليوم أمام جثمانك وأرثيك في هذه التعزية . كنت مشتاقا لأمنحك البركة في يوم تكليلك في كنيستك الجديدة التي خدمتها لسنين عديدة جنبا الى جنب مع اخوانك شباب الكنيسة ، كم سهرت الليالي بالعمل المتواصل لتعريف كنيستك ورعيتك للناس وللعالم من خلال الموقع الألكتروني الذي أبدعته وانتجته عبقريتك لتنقل للعالم أجمع كل نشاطات الرعية وفعالياتها .

أحببت كنيستك أيها العزيز وعملت الكثير الكثير لرفع شانها . كنت خير ابن للرعية .. ابنها البار ... أحبّك الكبير والصغير ... كنت حبيب الكل وصديق الكل ... عندما علموا بمرضك هبوا جميعا وابتهلوا وصلوا ورفعوا الأدعية والطلبات لأجل شفائك ، لكن ارادة الله كانت أقوى ، ومحبته دعتك الى الانتقال من هذه الفانية لتتنعّم مع الصالحين والأبرار في النعيم الأبدي .

عزيزي وليد : بماذا أرثيك .. إن رحيلك قد مرمر فؤآدنا وأدمى قلوب أهلك وأصدقائك .. وغشّ الغمّ على أبناء الرعية والأصقاء جميعا ، وغرّق طوفان الألم خاصة والدك خالد ووالدتك مرتا وأختك زينة وأخاك زيد . لقد جاهدوا وعملوا المستحيل لمساعدتك ولم يتركوك لحظة واحدة ملتفين حولك يصعدون الصلوات والابتهالات للرب من أجلك .

عزيزي وليد : هذا هو حكم الرب ، أن يأخذ الموت جميع البشر من دون تمييز ، ولا مهرب عنه لأحد منّا ، فأمض الآن قليلا لتستريح حتى تقوم في آخر الأيام بالعز والهناء ، فالرب يخرج من التراب ذهب فضيلتك ، وينبت من الرميم جوهرة أمانتك وعفتك ، وجسمك الذي اغتسل بالمعمودية واغتذى بالأسرار المقدسة يعلو بالمجد ويشرق بشعاع عدم الموت بوصف ليس له حد .

لتكن مشيئة الرب ... هكذا كنت تجاوب كل من قصدك متفقدا مستفسرا عن صحتك . نعم مشيئة الرب كانت ، أن يدعوك اليه وقبلتها بمحبة فائقة .. قم وأذهب ... إن خسارتنا بفراقك فادحة ولا تعوّض . وحقك علينا باهض لن نستطيع ايفاءه ، وما اجتماعنا الآن في هذه الكنيسة للصلاة والذكرى ، سوى عاطفة تقدير وشهادة عرفان جميل نحوك . وما كلمتي هذه سوى زهرة وضيعة أضمّها الى ما تكدّس فوق نعشك من أكاليل الثناء وباقات الزهور التي خصّك بها محبوك إقرارا بالفضل واعجابا بالشجاعة .

أودّ أن أقول أشياء كثيرة وأن ألقي قولا مأثورا وأنظّم أشعارا وبأبجدية جديدة واصفا بها صبرك وشجاعتك في تحمّل آلامك .. ويشهد الله أيها الرائع كم انك أوجعتنا . شهران فقط .. ستون يوما أيها الصابر العجيب ، وأنت تعرف شكل الموت الذي جاء نحو فراشك وأقترب منك وغازلك بدون حياء .. لكن رغم ذلك كنت تعيش بيننا .. معنا .. تسهر معنا والمرض يأكل فيك .. ستون يوما ... ساعدك الله ، كم صبرت وكم عانيت ونحن لا نعلم عن موتك إلا القليل القليل . لقد خبت اليوم الشعلة المتقدة وسوف تتلاشى بعد قليل في جوف لحد بارد مظلم موحش .في قلوب أهلك وقلوب أصدقائك شباب رعيتك يتجمّد النواح وفي صدرهم تتحجّر الدمعة للوعة الفراق . فاضت روحك يا صديق الكل في وقت صار الحصول على صديق صادق صدوق يعز ّ وجوده .

يا لهذا الجلال المهيب .. الشعب يبكي ، الرجال والنساء ، الشباب والشابات .الكل يبكي عندما يخطف الموت شابا كوزن وليد ... أرثيك ... ماذا أقول بعد ... اللحظة .. كل الأشياء التي تعرفك تقف حدادا على روحك .. أرثيك حتى كلماتي تبقى عاجزة عن التعبير ، فيقف الدم في قلبي وفي قلب محبيك .. أرثيك يا وليد وصورتك تطفو على سطح الذاكرة ... فنم عزيزي وليد هادىء الروح ... لا أقول لك وداعا ، فقاموس الحب أبدا لا يعرف الوداع .. لا أذرف لك دمعا ، فقاموس العطاء أبدا لا يعرف الدموع .

في ذمة الله يا عزيزنا وليد .. كنت صالحا وبارا .. حفظت الإيمان وصمدت في المحن وتحمّلت الآلام والعذابات وفزت باكليل الظافرين . لك منا صلاة لراحة نفسك ، وذكرى وفاء إننا لن ننساك وتبقى رحمة الله هي أغلى طلب في هذا الوجود .

 

صديقك ومحبك : الأب يوسف عبا

كاهن الرعية